حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

96

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

المثبتين والنفاة ، إذا انتهى إلى نهاية مقامه ، أعني مقام العلم العرفي النظري الفكري ، أن يعترف بجهله ويدّعي أنّه علم أن ما علم . وهذا طريق مبعد ومجهل 124 ، لا مقرّب ولا معرّف ، فإنّ العلم بالسلب سلب العلم ، وهذا العلم إلى الجهل أقرب منه إلى العلم ، وإلى العمى والحجاب أقرب منه إلى البصيرة والكشف . والسلوب والإضافات والنسب والتعيّنات كلّها عدميات فأين العلم باللّه ؟ هيهات ! « وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » 125 ، فأنّى للمقيّد بمعرفة المطلق والمحدث بمعرفة القديم والممكن بمعرفة الواجب ، « ما للتراب وربّ الأرباب » 126 . ويدخل إلى الملوك بإذن حجّابها ، فمن مسبّح في بحر الأفكار العقلية بالوسائط الخيالية فهو الحائر الذي لا يهتدي أبدا ، فإنه يطلب من كلّ شيء حقيقته ، فإذا قال وجدت وقد حصّلت ما كنت طلبته فقد خسر وسقط في يده من حيث لا يشعر . فالسعيد من أهل الفكر والقلب من لا يثبت له قدم ولا يستقرّ به منزل ولا يتنفّس الصعداء ويقول : انقضى 127 العمر وما أنتج طلبي إلّا الحيرة والقصور ، فذلك أسعد أهل الفكر ، ونعوذ باللّه من ظلمة الأفكار فيما لا ينبغي أن يفكّر فيه . فالعالم المحقّق من أتى البيوت من أبوابها وطلب الحكمة من أربابها ولم يأتها من ظهورها ، فثمّة علوم لا تحصل إلّا من طريق المشاهدة أو العين وملازمة الذكر ، فلا تصل الأفكار إليها أبدا لمعرفة الذات المقدّسة والنشأة الآخرة وأحكامها وشبه ذلك . وأمّا من سلك إلى اللّه عزّ وجلّ ، بطريق الذكر والتسليم واعتصم باللّه وجاهد في اللّه حقّ جهاده على يد سالك عارف مرشد كامل من حيث التعيّنات لا من حيث التيقنّات وما يتمايز به ، بل من حيث الشهود وصلته بالوجود كما هو دأب الصوفية أهل الجمع والوجود والرزق والشهود والكشف الحقيقي والتجلّي الكلّي ، فإنّه يصل ويعرف أنّ الحقّ تعالى لا يشهد إلّا بعين الجمع المقابل للفرق . والجمع هو ما به تشارك الموجودات وبه تجتمع المتفرّقات وتأتلف المتباينات ، والتباين هو بالتعيّنات العدميّة ، فإنّ إدراك الفرق صعب ، لأنّه بحر مغرق غرق فيه الأوّلون والآخرون